آقا بن عابد الدربندي

366

خزائن الأحكام

مختلفة إلى مقالة الغزالي مما لم يقع في محلّه جدّا ولعل الداعي إلى ذلك تمثيل الكلّ فيما ينفونه بالمثال المشهور مع تشتت تقاسيمهم واختلاف أقوالهم فأراد هذا السيّد الاجل التوفيق بين كلماتهم ورفع التضاد بينها بما ذكر من التسوية بين التعبيرين الّذين المثال المشهور مصداق لكل واحد منهما وكيف كان فلا بدّ من بيان ما عليه الغزالي فاعلم أن حاصل ما احتج به على ما حكى العلامة في النهاية ان الحكم باستمرار الحكم إلى محل النزاع لا بد من دليل ولا يصلح ان يكون هو الاجماع لأنه مشروط بعدم وجود الماء وهذا كما أن العقل دل على البراءة الأصلية بشرط عدم دليل السّمع فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السّمع فكذا هنا انعقد الاجماع بشرط العدم فانتفى الاجماع عند الوجود وهذه الدقيقة يجب التنبيه لها وهو ان كل دليل يضاده نفس الخلاف فلا يمكن استصحابه مع الخلاف والاجماع يضاده نفس الخلاف إذ لا اجماع مع الخلاف بخلاف العموم والنصّ ودليل العقل فان الخلاف لا يضاده لا يقال أصل التسوية كاف في الحكم بالبقاء فان ما ثبت دام إلى أن يتحقق القاطع فالدوام غير محتاج إلى الدليل وانما المحتاج أصل الثبوت كما إذا ثبت موت زيد أو بناء دار كان دوام ذلك بنفسه لأنا نقول هذا وهم باطل فان كل ثابت جاز دوامه وعدمه فلا بد لدوامه من سبب ودليل سوى دليل الثبوت والدليل في المثالين جريان العادة بان الميت لا يحيى والدار لا ينهدم الا بها دم أو طول زمان هذا حاصل مرامه قال السيّد الصدر ره إذا تأمّلت القولين للغزالي اعني قوله بحجية استصحاب الحال وعدم حجية استصحاب حال الاجماع قضيت منه العجب لان مبنى قوله الثاني انما هو أصول المنكرين لاستصحاب الحال كقوله فانا نقول انما يستدام الحكم الذي دل الدليل على دوامه وكقوله فان كل ثابت جاز دوامه وعدمه لا بد لدوامه من سبب ودليل سوى دليل الثبوت اللهمّ الا ان تجمع بين قوليه بان قوله بحجية استصحاب الحال ليس مبنيا على ما جعله القوم دليلا من حصول الظن بل هو مبنىّ على دلالة الروايات عليها والروايات تدل على حجية استصحاب الاجماع في محل الخلاف أو بان يكون غرضه من دلالة الدليل على الدوام كونه بحيث لو علم أو ظن وجود المدلول في الزمان الثاني أو الحالة الثانية لأجل موجب لهذا الظن لكان حمل الدليل على إرادة الدوام ممكنا والاجماع ليس كل لأنه يضاده الخلاف فكيف يدل على كون المختلف فيه مجمعا عليه كما يرشد اليه قوله والاجماع يضاده نفس الخلاف إذ لا اجماع مع الخلاف بخلاف العموم والنص ودليل العقل فان الخلاف لا يضاده ويكون غرضه من قوله فلا بد لدوامه من سبب الرد على من ادّعى ان علة الدوام هو مجرّد تحقق الشيء في الواقع وان الاذعان به يحصل من مجرّد العلم بالتحقق فرد عليه بان الامر ليس كل وان الاذعان والظنّ بالبقاء لا بدّ له من امر آخر أيضا كعادة أو امارة أو غيرهما هذا كلامه وأنت خبير بان المتجه هو التوجيه الثاني لا الأول لا لأجل ان الروايات خاصيّة والغزالي لا يقول بحجّيتها لان الذبّ عن ذلك ممكن وان أغمضنا عن أن الغزالي من أهل الحق نظرا إلى ما يستفاد من بعض كتبه في مواضع عديدة منه ككتاب اسرار العالمين بان هذا الباب مما يمكن ان يستدل عليه باخبار العامية أيضا ومنها النبوي ص لا تجلسوا عند كل ذاع مدع يدعوكم من اليقين إلى الشك الحديث بل لان المنساق إلى الأذهان من كلامه هو ما ذكر في التوجيه الثاني فيكون ملخص كلامه ان الاستصحاب لا يجرى ولا يتعقل فيما ثبت بالاجماع في محل الخلاف لأنه يضاده يعنى ان الاجماع على ما عليه العامة جاعل للحكم من غير أن يكون كاشفا عن وجود دليل محتمل عمومه للزمانين فلا يجرى فيما ثبت به الاستصحاب بخلاف النص فان العموم مما يحتمل فيه وان لم يظهر عند من يستصحب حكمه نظرا إلى اجماله ونحوه هذا واما الاحتمال الثالث في كلامه بان يحمل على انكاره حجية الاستصحاب مط الا فيما لا خلاف فيه من استصحاب حال الدليل من عمومه واطلاقه فمما لا مساغ له أصلا إلّا ان يجعل حال الاجماع في كلامه كناية عن اهمال الدليل واجماله وهذه بعد الغضّ عن انه لا يناسب ولا يلائم لما قاله جمع في معارضته بأنه صوب الكفار في مطالبتهم الرّسل بالبرهان حتى قال تريدون ان تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فاتونا بسلطان مبين وقد اشتغل الرّسل بالبرهان المغير للاستصحاب ولا لما قيل في ردّه أيضا انتصارا للغزالي انهم لم يستصحبوا الاجماع بل النفي الأصلي الذي دل عليه العقل من الكنايات التي لا قرينة لها أصلا بل على خلافها جدّا فلا يعتبر قطعا وبالجملة فان اقتضى ما يستفاد من كلام الغزالي للفرق بين ما ثبت بالنص وما ثبت بالاجماع أمور ثلاثة الأول ان الخلاف بعد النصّ مما لا يضاده بخلاف الإجماع فالحكم الثابت به لا يمكن استصحابه والثاني ان الاجماع انما انعقد في حالة خاصّة وهي حالة عدم وجود الماء أو الخروج في المثالين المشهورين فالاجماع مقيّد بالعدم ومشروط به فلا يشمل حال الوجود والثالث انه كما لا يعتبر الاستصحاب بل لا يجرى فيما علم كون الحكم المجمع عليه مقيّدا بحالة كذا فيما شك في ذلك لرجوعه في الحقيقة إلى الشك في أصل استمرار الحكم ابتداء وكيف كان فالجواب عن الأول هو ان هذا القسم مما يجرى فيه قاعدة الجريان والتعقل من تحقق اليقين السّابق والشك اللاحق كما في غيره فإذا كان كل فيعتبر كما في غيره فالدليل في الآن الثاني الذي هو ان الخلاف هو نفس الاستصحاب الثابت دليليته بأدلة عديدة فلا يحتاج اثبات الحكم فيه إلى ما يشمله أو يحتمل شموله له كالنصّ الظاهر أو المجمل هذا واما ما يتخيل من أن ما عليه الغزالي مبنىّ على ما عليه أكثر العامة من عدم كشف الاجماع عن البينة والدليل الكاشف عن الحسن والقبح الواقعيّين لا على ما عليه الاماميّة من كشفه عن البيّنة